 ترجمة: مازن كم الماز
نعم , يجب أن نرفع أصواتنا عاليا . حتى هذه اللحظة تحاشيت مناشدة العواطف . لقد مزقنا إربا منطق التاريخ الذي قمنا بشرحه بكل تفصيل – كشبكة تهدد بخنقنا . ليست العاطفة هي التي يمكنها أن تنفذ من شبكة المنطق الذي بلغ حدودا لاعقلانية , بل فقط العقل الذي يمكنه أن يلاقي المنطق على أرضه الخاصة . لكن يجب ألا أريد أن أترك ذلك الانطباع ... بأن أي برنامج للمستقبل يمكن تنفيذه دون قوانا من حب و سخط . إنني مدرك جيدا أن الأمر يحتاج إلى محرك رئيسي قوي ليدفع البشر إلى التحرك و أنه من الصعب أن يلقي المرء نفسه في نضال أهدافه متواضعة جدا و حيث يكون للأمل أساس عقلاني فقط – و حتى هذا ممكن بصعوبة . لكن المشكلة ليست في كيف تجرف الناس أو تدفعهم , على العكس , من الضروري ألا يجري تحريكهم بل بالأحرى أن يفهموا بوضوح ما الذي يفعلونه .
لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكي نفتح نوعا ما من المستقبل – الذي هو المحرك الرئيسي ,هناك حاجة للرغبة و التضحية . إنها تتطلب فقط أن نفكر ثم نقرر بعد ذلك , بوضوح , فيم إذا كان يجب أن نجعل مصير الإنسانية أكثر بؤسا لكي نبلغ النهايات السحيقة و المبهمة , فيم إذا كان علينا أن نقبل عالما يلتهب بالأسلحة حيث يقتل الأخ أخاه , أو فيم , على العكس , علينا أن نتجنب سفك الدماء و البؤس قدر المستطاع بحيث نعطي فرصة للأجيال القادمة للبقاء وهي أفضل تجهيزا مما نحن عليه .
فيما يخصني أنا واثق إلى حد ما أنني قد قمت باختياري . أما و قد قمت بالاختيار فإني أعتقد أنه يجب علي أن أصرح , أنه علي أن أعلن أنني لن أكون أبدا ثانية واحدا من أولئك , كائنا من كانوا , ممن يساومون مع القتل و أنه علي أن أتحمل تبعات قرار كهذا . لقد تم الأمر , و هذا أقصى ما يمكنني الوصول إليه اليوم ... لكنني أريد أن أوضح الروح التي كتب بها هذا المقال .
لقد طلب منا أن نحب أو نكره هذه البلد أو تلك , و هذا الشعب أو ذاك . لكن بعضنا يشعر بقوة جامحة أنه ليس على إنسانيتنا المشتركة اتخاذ خيار كهذا . أولئك الذين يحبون الشعب الروسي بالفعل , عرفانا بالجميل لما لم يتوقف أبدا عن أن يكونه – خميرة العالم تلك التي تحدث عنها تولستوي و غوركي – لا يتمنون لهم النجاح في سياسات القوى السلطوية , بل بالأحرى يريدون تجنيبهم , بعد كل محن الماضي , إراقة أخرى للدماء أكثر رعبا حتى . هذا أيضا مع الشعب الأمريكي , و مع شعوب أوربا التعيسة . هذا هو نوع الحقيقة الأساسية التي عادة ما ننساها وسط العواطف الهائجة لأوقاتنا .
نعم , إنه الخوف و الصمت و العزلة الروحية التي يؤديان إليها هي ما يجب أن نحاربه اليوم . و إنها الألفة و التواصل الكوني بين البشر ما يجب الدفاع عنه . إن العبودية , الظلم , و الكذب تدمر هذا التواصل و تحول دون هذه الألفة , و لذا علينا أن نرفضها . لكن هذه الشرور هي اليوم مادة التاريخ نفسه , لذا يعتبرها الكثيرون شرورا ضرورية . من الصحيح أنه لا يمكننا "الهروب من التاريخ" , حيث أننا غارقون فيه إلى أعناقنا . لكن قد يقترح شخص ما أن الحرب من داخل التاريخ يعني أن نحفظ من التاريخ ذلك الجزء من الإنسان الذي ليس هو اختصاصه الخاص . هذا كل ما علي قوله هنا . "فكرة" هذا المقال يمكن تلخيصها كما يلي :
تحرك الشعوب المعاصرة قوى قوية على طول سبل السلطة و الهيمنة . لن أقول أنه يجب دعم هذه القوى أو إعاقتها . إنها نادرا ما تحتاج إلى دعمنا , و هي في الوقت الحاضر تضحك على محاولات إيقافها . إنهم سيستمرون في ذلك بعدئذ . لكنني فقط سأسال هذا السؤال البسيط : ماذا لو أن هذه القوى انتهت إلى طريق مسدود , و ماذا لو أن منطق التاريخ الذي يعتمد عليه الكثيرون اتضح أنه أمل خادع ؟ ماذا لو أن أحفادنا – بافتراض أنهم نجوا - , على الرغم من حربين عالميتين أو ثلاثة , و رغم تضحيات عدة أجيال و منظومة كاملة من القيم , وجدوا أنفسهم أبعد ما يكون عن مجتمع عالمي ؟ قد يكون الناجين من تجربة كهذه أضعف من أن يفهموا معاناتهم . بما أن هذه القوى تعمل على تدبير أمورها و طالما كان من المحتم أن تستمر بفعل ذلك , فليس هناك أي سبب كيلا يضطلع بعضنا بواجب البقاء على قيد الحياة , من خلال الصورة الرؤيوية التاريخية التي تعرض أمامنا , من خلال تفكير بسيط الذي , دون الإدعاء بحل أي شيء , ستكون مستعدة دوما لإعطاء معنى إنساني ما للحياة اليومية . الشيء الضروري هو أنه يجب على الناس أن يزنوا بعناية الثمن الذي عليهم أن يدفعوه ...
كل الذي أطلبه , وسط عالم قاتل أو سفاح , هو أن نتفق على إعمال الفكر في القتل و اتخاذ خيار . بعد ذلك يمكننا أن نميز أولئك الذين يقبلون نتائج كونهم قتلة هم أنفسهم أو شركاء للقتلة , و أولئك الذين يرفضون أن يفعلوا ذلك بكل قوتهم و وجودهم . بما أن خط التقسيم المرعب هذا غير موجود , سيكون مكسبا إذا جرى تحديده بشكل واضح . على امتداد خمس قارات سيدور صراع لا نهاية له في السنوات القادمة بين العنف و الإقناع الودي , صراع يمنح الأول فرصة النجاح ألف مرة أكثر من الأخير . لكنني اعتبرت على الدوام أنه , إذا كان ذاك الذي يؤسس آماله على الطبيعة الإنسانية غبيا , و الذي يستسلم في وجه الظروف جبانا , فبالنتيجة إن السبيل الوحيد الجدير بالاحترام هو وضع كل شيء في مقامرة هائلة : أن الكلمات أكثر قوة من العتاد الحربي .
------------------------------------------ -
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن
www.spunk.org
|