قلم: عبدالرزاق الربيعي
خلال التحضيرات للندوة الدولية للتبادل الحضاري العماني اليمني التي أقامها مركز الدراسات العمانية بجامعة السلطان قابوس تناهى لسمعي أن من بين ضيوف المؤتمر سيكون الدكتور عبد العزيز المقالح والمعروف أن المقالح لم يغادر اليمن منذ حوالي ثلاثين سنة وقد اعتذر عن تلبية عشرات الدعوات التي وجهت له متذرعا بكثرة إنشغالاته وهذا أمر يلمسه كل من زار صنعاء أيام كان رئيسا لجامعة صنعاء ورأى إنتقاله في اليوم الواحد بين ثلاثة مكاتب في ثلاثة أمكنة, وإشرافه على رسائل الماجستير والدكتوراه الى جانب حرصه على إيفائه بالواجبات الإجتماعية وحفاظه على التواصل مع أصدقائه في مجلسه الأدبي وإستقباله وإحتفائه بضيوف اليمن من الأدباء والإعلاميين والأكاديميين , كما إن كتابته في أكثر من صحيفة محلية وعربية أعمدة أسبوعية تستغرق وقتا من يومه , إضافة الى كتابته مقدمات عشرات الكتب والدواوين ومراجعته دواوين الشعراء الشباب خصوصا ,ومواظبته على القراءة بشكل يومي والأهم من كل هذا مداومته على الكتابة الشعرية وحرصه على تطوير تجربته وإنتقاله من أفق الى آخر بين فترة وأخرى , فعدم قبوله للدعوات التي توجه له وسط هذه الالتزامات والمشاغل يبدو تحصيل حاصل , رغم أن البعض يردد أن المقالح يهاب ركوب الطائرات وحين سألته عام 1997 عن ذلك أجابني "هذه اشاعة أطلقها بعض الزملاء وأستطيع أن أؤكد إن ركوب الطائرة بالنسبة لي ضرب من الكتابة الشعرية, والتحليق في الفضاء عمل شعري باذخ يغني عن قراءة عشرات الدواوين ويعطي طاقة الهام لا حدود لها "
ويبدو أن ظروفا صحية تتعلق بصعوبة التنفس في الأعالي هي التي تحول بين المقالح المولود عام 1937 وبين السفر حتى إنني سمعت إنه عندما وجهت له الدعوة الأخيرة- دعوة مركز الدراسات العمانية -تحمس لتلبيتها نظرا لما يكنه لعمان وأهلها من حب وزاد حماسه عند سماعه وجود طريق بري يوصل بين حضرموت وصلالة , حيث يستريح يوما أو يومين في صلالة ثم يواصل الرحلة الى مسقط , وقد إتصلت به وإستفسرت عن الدعوة فقال"سأفعل إن كانت ظروفي الصحية مناسبة ", فأبلغته إنني سأنتظره في صلالة مع الشاعر المبدع سيف الرحبي لو وصل اليها , وقد إهتمت السفارة اليمنية بمسقط كثيرا بهذا الأمر من خلال السفير عبدالرحمن خميس الذي اكد إننا سنكون كلنا بإستقباله فشكرني ووعدني خيرا , لكنه لم يتمكن من تلبية الدعوة بسبب عملية أجراها لإزالة الماء الأبيض من إحدى عينيه , والأمر ينطبق على الدعوة التي وجهتها مؤسسة سلطان العويس لتسليمه جائزة الشعر التي نالها مؤخرا ونظرا لإعتذاره تناهى لسمعي أن إدارة المؤسسة قررت تسلمه الجائزة في حفل تقيمه في صنعاء في خطوة غير مسبوقة للمؤسسة تقديرا منها للشاعر ومكانته الشعرية.
لكنني أرى أن السبب الحقيقي الذي يحول بين المقالح و السفر ليس الإنشغالات والوضع الصحي بل شدة التصاقه بالمكان وصنعاء تحديدا وقد سألته ذات يوم عن سبب عدم مغادرته اليمن فأجاب" ربما لأنني غبت كثيرا عنها في الستينيات والسبعينيات فترة طويلة كانت كافية لتزرع في النفس حنينا جارفا لا تهدأ عواصفه وشعورا بالخوف من الفقدان مرة أخرى"
ذلك لأنه تغرب طويلا ففي الستينيات عين مندوبا للجامعة العربية اليمنية بجامعة الدول العربية في القاهرة وهناك و اصل تعليمه العالي بعد حرب يوليو عام 1967، ونال اجازة الليسانس من جامعة القاهرة والماجستير والدكتوراة من جامعة عين شمس , وقد إنعكس ألم الغربة على نصوصه ودواوينه التي صدرت خلال تلك السنوات و حين عاد لليمن القى عصا الترحال جانبا وقال عن صنعاء ماقال الإمام علي (ع) عن الكوفة"هنا سرة الكون" فكانت صنعاء بالنسبة له سرة عالمه الشعري لذا خصها بمجموعة أسماها "كتاب صنعاء" صدرت طبعته الأولى عن دار رياض الريس ببيروت عام1999م وهي بالنسبة له معشوقة فهي:
كانت امرأة
هبطت في ثياب الندى
ثم صارت
مدينة
حول صنعاء قال لي ذات يوم في حوار أجريته معه "كل العواصم وكل المدن الكبيرة والصغيرة تبدو لي اكثر كآبة في مقابل صنعاء لذلك سأرفض الابتعاد عن هذه الاخيرة مهما كلفني الرفض وسوف اقبل باية عقوبة يتم فرضها على مقابل الا اترك صنعاء " لكنه يستدرك قائلا " هناك مدينة عربية اخرى كانت الى وقت قريب تنازعني حب صنعاء وهي الاسكندرية تلك المدينة العربية التى تغسل اقدامها بمياه البحر المتوسط كل صباح لقد احببت هذه المدينة كثيرا وتمنيت البقاء فيها وهي لا تبرح ذاكرتي ابدا وصورتها الاولى عندما زرتها في شتاء يناير لا تغيب كانت مغسولة بمياه المطر معتمة الشاطئ حينا ومشرقة الشمس احيانا وعندما زرتها في الصيف كانت الشواطئ تتعرى والبحر يتخفف من ثيابة الثقيلة وفي وسط الجموع المبتلة بالماء والموسيقى استمعت الى فيروز وهي تغني شط اسكندرية تسمرت عيني على البحر واذني على اللحن وما تزال الصورة حاضرة حتى لحظة كتابة هذه الكلمات لن اترك صنعاء واشتاق الى الاسكندرية."
تلك هي صنعاء التي الف الشاعر هواءها ومياهها وأشجارها وحيطانها :
هي واضحة مثل كف صغير لطفل
ومبهمة كالاساطير
سيدة لا تبيح السفور
وترفض ان تقرأ الشمس
ان يقرأ الليل اوراقها
لذا يظل الشاعر :
يمشي على قلبه
ويسافر فوق بساط من الشطحات الجميلة
لا اصدقاء له غير توت البيوت
يناوش اطفالها وعجائزها بالاساطير
---------------------------------------- -
مسقط / عبدالرزاق الربيعي

razaq61@yahoo.com